البخاري
تصدير 19
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
الدينية ، وتخصّص أكبر هذا الجهد لدراسة الحديث وعلومه . حسبه هذا ليسير مع الركب ويتابعه في الاتجاه . ثمّ يكفيه أن يرى أئمة الحديث في وطنه ، أو يسمع بأعلامهم في خارج وطنه ، وأن يعرف ما يحتفّ بهم من هيبة وجلال ، وما يلقون به من توقير وإكبار ، وما يحتمل للقائهم من شدّ الرحال ، وما يتحلق حولهم من عديد الطلاب ، يكفيه هذا ليتطلع بطموحه إلى أن يكون واحدا من هؤلاء الماجدين . وأياما كانت الأسباب الظاهرة لهذا الاتجاه فإن استعداد البخاري كان متهيئا له من صغره ، كان متهيئا له بما وهبه اللّه من صفاء الذهن ، ومن قوة الحفظ ، ومن توفّر الرغبة على التحصيل والدرس ، فاستطاع أن يسبق أقرانه من الصبيان ، وأن يسمو ببلوغ العاشرة من عمره على زمالتهم في مقاعد الكتاب ، وأن يرتفع - وهو الحدث الناشئ - إلى مستوى الكبار من الطلاب ، فيقتحم الحلقات الملتفّة حول الشيوخ ، ويتردّد على مجالس الرواية للسماع من الأعلام ، أمثال : الداخلي ، ومحمّد بن سلام البيكندى ، ومحمّد بن يوسف البيكندى ، وعبد اللّه بن محمّد المسندى ، وهارون بن الأشعث ، وأضرابهم من مشاهير المحدثين في وطنه . والظنّ بصبي لم يزل في مطلع العقد الثاني من عمره أن يواريه الصغر خلف الصفوف في مثل هذه الحلقات ، وأن يطويه التهيّب من كبار السن والسابقين عليه في طلب العلم فيتأخر به الظهور ، ولكن البخارىّ كان فوق الظنون ، فما اقتحم هذه المجالس إلّا عن جدارة